عند دراسة ” المرارات التحاورية ” التي صادفها الأخوة العراقيين عند تحاورهم مع بريطانيا في ذلك الزمن؛ نستطيع ( بالاضافة إلى الأمور الأخرى) أن نجمع ” ثروة فكرية ” قد تساعدنا في يومنا عند التحاور مع الآخرين بشأن التنعم ب” نعمة الغاز الفلسطيني ” المتواجد في مياه البحر الأبيض المتوسط، ويمكن استخدام عصاراتها الفكرية عند التعامل على المستوى الفلسطيني – الفلسطيني، وعند التعامل الفلسطيني مع الغير، وبعد الدراسة والبحث والتقصي يمكننا استخلاص الكثير من التجربة العثمانية وأهل الدولة المستحدثة(عراق يومنا هذا )، عند تعاملهم مع عباقرة صناع القرار البريطانيين( العقل الخلاق البناء من وجهة نظرهم ) و (العقل الخلاق الهدام، من وجهة نظر الآخرين)، نستطيع اختزان الكثير من الفوائد الناجمة منها، كيف تعاملت بريطانيا مع الآخرين عندما شرعت في السيطرة على منابع البترول في (الدولة العثمانية) دولة الجمهورية التركية، والدولة العراقية المستحدثة في ذلك الزمن، لتوظيف مثل هذه الحصيلة الفكرية على المستوى الفلسطيني – الفلسطيني، وعند التحاور مع الآخرين ف “درهم وقايه خير من قنطار علاج ” و “استباق الأحداث” صنعة يدركها الآخرون.
بريطانيا “وزراعة سياسات الكراهية المتبادلة”
تمكنت بريطانيا وغيرها، من زراعة الكراهية ما بين الشعوب المنتمية إلى “وعاء الدولة العثماني الإنساني والجغرافي “، واستعملت بريطانيا وغيرها فيما استعملت فكرة “الدولة – القومية “. فأقنعت ذوي الأصول التركية بأن على الدولة العثمانية تبنى الفكرة عن طريق ” تتريك الدولة ” ( فكرة التتريك )، وهي فكرة مقنعة بالنسبة لبعض أهل ذلك الزمن، وبوجه خاص لمن احتكوا بالدول والثقافات الأوروبية بكل ما أتت به من أفكار، ساد الاعتقاد بينهم بأنها هي الأفضل للدولة العثمانية في ذلك التاريخ (ولنا في تفاصيل ذلك مقالات مستقبلية)، ومن جهة أخرى، ذهبت بريطانيا وغيرها إلى أهل الفكر العربي، لتبث أفكار الدولة-القومية، وضرورة الدولة في المناطق العربية (فكرة التعريب)، وصادفت هذه الأفكار الهوى عند العديد من الراغبين في إعادة أمجاد الماضي العربي التليد اعتقادًا منهم بضرورة انفرادهم بحكم أنفسهم بأنفسهم، للوصول الى الهدف المنشود.
تطبيقات كراهية الآخر والكراهية المتبادلة، وتأجيجها بأفعال استفزازية تجاه الآخر:
إثر زراعة بذرة الشقاق (الكراهية والكراهية المتبادلة)، وتزايدت وتراكمت الكراهية(التي مازال البعض يجترونها حتى يومنا هذا) اشتدت الكراهية والكراهية المتبادلة بين من أصبحوا عدويين لدودين بعد وضعهما على مسارين متصادمين، فأصبح التناحر تناحرًا لا متناهي، وأصبحت القطيعة أمرًا حتميًا لا مفر منه، واستمرت الأمور في مسيراتها المنشودة(من قبل صناع القرار البريطاني) والضارة بالمصالح العليا لأهل المناطق الجغرافية المعنية. وكانت النتيجة الحتمية النهائية أن ربح من أوقع الوقيعة بينهما، وخسر أهل الحقوق حقوقهم المشتركة خلال الفترات الزمنية ذات العلاقة.
خسارات الدولة العثمانيه و خسارات الدولة العراقية المستحدثة
في تلك الأزمنة كانت “ولاية الموصل” بمثابة ” كبش الفدى “: المنطقة الغنية بالبترول الثابت تواجده على أراضيه بالكميات التجارية المجدية اقتصاديًا ؛ وتم استئصالها وإخراجها من “وعاء الدولة العثماني الجغرافي” إلى غير ذي رجعة، ولم تستطع الدولة المستحدثة(دولة العراق) من التمتع ببترولها وحتى بعد تلك الفترة، وحتى يومنا هذا لم يستمتع أهل العراق بكامل نعمة بترولهم، بل وفي الكثير من الأحيان أضحت نعمة البترول بمثابة نقمة بترولية، يصعب تحمل نتائجها السلبية ( ولنا في تفاصيل ذلك كله مقالات ومقالات مستقبلية).
التلاعب بجغرافيا ولاية الموصل ما بين الدول المنتصرة
– كانت بريطانيا وفرنسا من أهم اللعيبة في اللعبة السياسية المتعلقة بتقاسم الأراضي الجغرافية المستقطعة من أراضي الدولة العثمانية واستبقي ما استبقي من جغرافيا الدولة العثمانية على هيئة الجمهورية التركية، وعلى أجزاء من أراضيها الجغرافية فقط (ولنا في تفاصيل ذلك مقالات مستقبلية).
– في بدايات الأمور، رسمت الخرائط (الأولية) لتظهر “ولاية الموصل” جزءًا من خرائط
الدولة السورية (المرغوب استحداثها في تلك المرحلة الزمنية) لتكون سوريا المستحدثة تابعة للدولة الفرنسية، وقد يستغرب قارئ يومنا هذا، عندما يعلم بأن ذلك التقسيم كان بناءً على طلب بريطانيا وإصرارها على ذلك، لأسباب سنبين تفاصيلها في مقالات لاحقة.
– ثم عادت بريطانيا وأصرت على إدخال “ولاية الموصل” كجزء من أراضي “الدولة العراقية المستحدثة ” لأسباب خاصة بها، وقدمت لفرنسا “جوائز ترضية ” على نفقة غير بريطانيا، ولنا في تفاصيل ذلك مقالات مستقبلية.
التعامل مع أمريكا أثناء تلك المرحلة الزمنية:
عندما أصرت أمريكا ذلك الزمن على المشاركة في التهام جزءًا من “كعكة البترول الموصلية” تنازعت، ومن ثمّ تصالحت مع بريطانيا على “جائزة ترضية” على نفقة غير بريطانيا ولنا في تفاصيل ذلك مقالات مستقبلية.
التعامل مع الدولة العراقية المستحدثة:
والأدهى من ذلك وبعد الحرب العالمية الأولى، وتمكن بريطانيا وثقتها بأنها الأقدر على فرض توزيع الغنائم، عادت فعاملت أصدقاء الأمس (المشرقيين) بكل قسوة، فسارت في بدايات الأمر بسيرة تحفظ للدولة العراقية المستحدثة بعضًا من الحقوق، لتقوم بعد ذلك بمدة قصيرة من افتراس حقوق من تظاهرت بصداقتهم المرحلية، وجابهتهم بعرض من عروض المافيا، فاده ” إما أن يتنازل العراق المستحدث عن نصيبه في شركة البترول وخرجها، وإما أن تعاد منطقة الموصل الجغرافية إلى وعاء الدولة العثمانية الجغرافي (التي كانت ما تزال تطالب بها)” وكان ذلك في حوالى عام ١٩٢٥ ميلادي، وكان لبريطانيا ما تريد في تلك المرحلة الزمنية.
ضرورة وضع استراتيجية أن العالم بأجمعه يعي الآن ما يقال حول السياسة البريطانية القائمة في ذلك الوقت، على أسس “التفكير الخلاق ( السلبي)”، الذي يسميه البعض أدبًا ب” الدهاء البريطاني“، كان ذلك يعتمد فيما يعتمد عليه أن “بريطانيا أولًا ” مصالحها الآنية والمستقبلية في ذلك التاريخ، وفي طليعة مصالحها في “الاستيلاء على منابع بترول العراق المستحدث في ذلك التاريخ“.
الاستراتيجيات المرحلية والنهائية القادرة للوصول إلى أهدافها المنشودة:
– وضعت سياسة مرحلية لتمزيق الدولة العثمانية، أثناء لعبها دور ” العدو – الصديق “.
– بثت الكراهية، غذت الكراهية المتبادلة، إلى أقصى حد ممكن.
– شجعت سياسات التتريك من جهة، وشجعت سياسات التعريب من جهة اخرى.
– تنامت الكراهية والكراهية المتبادلة فيما بين عناصر القيادات العثمانية المتنامية سياسيًا، في ظل الدولة العثمانية (الراغبة في الحفاظ على أهل الإسلام وعلى ديار الإسلام وحدة واحدة)
– تنامت كراهية بعض القيادات العربية في ذلك الزمن، ضد سياسات التتريك، وتبنت في الوقت
ذاته سياسة التعريب، إلى أن حصل “الطلاق السياسي” (البغيض) وللقارئ أن يسميه التسمية
التي يريد، على ضوء الأحداث التاريخية الموجزة في صدر هذه المقالة.
أتمنى على القارئ المحب للدولة العثمانية والغير محب لها، عدم اجترار مِن يجتر الجمل (التَحيّثات) الإنشائية ذات الصبغة التاريخية، والاحتكام عقلًا إلى ” الوقائع التاريخية “، وسأعمد إلى تناول تفاصيل ذلك في مقالات مستقبلية بإذن الله.
بريطانيا وتحقيق أهدافها المنشودة:
– حققت إمكانية فصل بعض المناطق الجغرافية عن الدولة العثمانية .
– حققت إمكانية إيجاد دول مستحدثة.
– حققت نتيجة إمكانية رسم حدود الدول المستحدثة، وفق ما يتماشى ومصالحها .
– حققت مرحليًا ،خروج زعماء الدول المستحدثة ضد الدولة العثمانية.
للعلم/ أسفرت هذه السياسات (وما واكبها) إلى انفصال أكثر من أربعين منطقة جغرافية في كل منها دولة مستحدثة في ذلك الزمن، وهي الآن دول أعضاء في ” هيئة الأمم المتحدة “.
نجاح سياسة بث ” الكراهية المتبادلة ” أو “العداوة المتبادله” :
على مر الزمن، أثبتت سياسات بث الكراهية والكراهية المتبادلة بين أعضاء الجهة الواحدة، يؤدي في نهاية المطاف إلى “التنازع وحتى الاقتتال” بين أفراد الجهة الواحدة.
التنازع / الاقتتال بين أفراد المجموعة الواحدة، يصب في مصلحة من بث سياسة الكراهية والكراهية المتبادلة، وأطراف المجموعة المنقسمة على ذاتها هم الخاسرون في نهاية المطاف، حتى ولو حقق بعضهم مكاسب مرحلية في مواجهة الآخر .
أنت لا تلعب لوحدك، هنالك لاعبين آخرين:
يتعين الأخذ بعين الاعتبار، أن اللعيبة الآخرين يضعون استراتيجيات وخطط تنفيذ لأنفسهم، ويتعين على المحاور تفهمها، لكي لا يقع فريسة سهلة، ولكي يضع استراتيجيات مقابلة لها.
ما يتعين على الفلسطيني والمحاور الفلسطيني القيام به:
على المحاور الفلسطيني أن يضع نصب عينيه أنه على حق فيما يملك، ويتعين حماية هذا الحق وممارسته، والتحاور بشأن تحقيق ذلك بطرق مدروسة، تأخذ بعين الاعتبار ما يضعه الآخرون من استراتيجيات وخطط تنفيذية، لينشئ وينفذ استراتيجيات متجددة تساعده على إحقاق حقه وعلى الراغب في اغتصاب حقوقه .
هنالك لعبه كلعبة الشطرنج يضرب فيها المثل، وأنا أود أن أضيف قائلًا بأنها تشبه “لعبة الشّدة“
أو “لعبة طاولة الزهر” أو “لعبة الدومينو” بين المحترفين.
ما لا يتعين على الفلسطيني القيام به أمر سنتناوله في مقالات لاحقة.
حتى أفضل اللعيبة يقعون في الحفر التحاورية، حتى أباطرة اللعب والقادرين على الاستمرار في تطوير أساليب اللعب واستحداث المزيد، يقعون في حفر التحاور ذاتها عندما يباشرون اللعب “في مواجهة بعضهم البعض “.
– فالكراهية والكراهية المتبادلة، حفرة وقع في ثناياها أعضاء السوق الأوروبية المشتركة، نتيجة إصرار بريطانيا على الخروج من عضوية “السوق الأوروبية المشتركة” .
– الكراهية والكراهية المتبادلة، حفرة وقع في ثناياها الأوروبيين والأمريكان نتيجة ضغط أمريكا على حلفائها الأوروبيين لإيقافهم عن الاستمرار الفعلي في تنفيذ التزاماتهم وفق الاتفاقية النووية المبرمة مع إيران، والتهديد بفرض عقوبات اقتصادية على من يتحدى الارادة الأمريكية في هذا المضمار.
في الختام،
أكتفي بهذا القدر، حتى لا تتسع رقعة الكتابة، ولنا باذن الله مقالات مستقبلية تتطرق للمزيد من أبواب المعرفة وفق الدراسات والأبحاث ذات العلاقة والله اعلم.
أتمنى على من لديه مداخلات ايجابية بناءة، أن يشاركنا بما يراه مناسبًا وبالقدر الذي يراه مناسبًا. إن الحوار والتواصل الفكري البناء، فيه تحديث فكري لمصلحة الجميع.