التاريخ والتأريخ في يومنا هذا لأحداث الماضي

مكتبات إستنبول “كمراكز العلم والمعرفة والمعلومة المنشودة”

شكرًا لِلَّه  لما تحتويه قباب رحاب هذا البلد المضياف، من بركات العلم المتراكم خلال فترات تزيد على ستمائة عام، كان المسلمون من ذوي الأصول العرقية العربية أو(المختلطة) أحد مكونات شعوبها الاسلامية لمدة أربعمائة عام من عمرها، وبمكوناتها من أهل الأديان السماوية الأخرى.

وشكرًا للمبدعين والناهضين بالعلوم الانسانية.

وشكرًا على الانسان الذي يعامل أخيه الانسان بكل انسانية.

كانت “الدولة العليا”، دولة التسامح الفكري والدنيوي والديني، وها هي تعود إلى سيرتها الأولى، جبلت على الفكر الجماعي، وفرق شعوبها، ومزق جغرافيتها، ذوي الفكر السلبي، والانتقائي (سواء أكان ذلك بحسن نيه أم لم يكن) .

احدى أهم المكتبات التي انتهلت من منابعها العلمية العلم الكثير/

هنالك مكتبة في ربوع المكتبات، التي تحتوي رفوفها على مصادر العلم، وعصارة أفكار جباهذة العلم، تعرف باسم مكتبة “قصر يلدز”، وإذا قدر لأي إنسان راغب في المزيد من العلم والمعرفة، التواجد في إسطنبول، يمكنه القيام بزيارتها وانتقاء الكتب والمراجع والمصادر، التي يرى أنها تتمشى ومتطلباته الفكرية، أو أنها قد تمكنه من زيادة ثرائه الفكري، ثراء في  المجالات ذات العلاقة .

وفي المكتبة موظفون ومسؤولون في غاية المهنية، عند البحث وعند التصوير، يمكنهم تزويدك بالمعلومات الضرورية لانتقاء الكتب التي ترغب في أن تنتهل من صفحاتها مما قد يصب في وعائك الفكري ذات الاهتمام.

وهذه المكتبة والقائمين عليها روافد فكرية، لأهل الفكر المتخصصين (في المواضيع التي قد ترغب في الاستفادة منها) في  المجالات التاريخية، وبوجه خاص الكتب التي من الصعوبة بمكان  الحصول عليها، أو الكتب التي اندثرت، أو التي لم تعد متوفرة بسهولة في أروقة العلم الأخرى إلا ما ندر، جميعها تعمل بانسياب مهني، لإشباع احتياجاتك الفكرية، وهؤلاء جميعًا (المصادر  والمهنيين) يعملون بإبداع، من  خلال اقامتهم في بنايات المكتبة والمكاتب المجاورة لها .

وهي الآن بمثابة منابع للعلم، وكأدوات لرجال فكر متخصصين في الكتابات التاريخية، متمكنين من التأليف الجماعي، ومن التأليف على انفراد، ولهم في ذلك كله باع طويل، وكل ذلك في وعاء صرح فكري، تحت مسمى “مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الاسلامية” واسمه المختصر (إرسيكا)، ومقره في فناء القصر (قصر يلدز) في أروقة  اسطنبول.

أقلام المتخصصين الأتراك (في التأريخ للدولة العمانية)/

كثير من أقلامه متخصصة في أمور التأريخ، للأحداث التاريخية النابعة عن العلم والمعرفة، والتحليل والاستنباط والاتيان بالأفكار الجديدة المتجددة، متحاشين قدر الاستطاعة، السرد في سبيل السرد، أو حتى نمط الكتابة الحولي (مجرد اتباع الترتيب الزمني في السرد) ومركزين على تناول المواضيع بنظرة شمولية، وعند تناول أي موضوع تجد فيه لمسة من الترتيب الزمني المتمشية مع منطق الأمور التاريخية، المستسقاة من منابع ومصادر العلوم التاريخية، بصورة وصفت بأنها تميزت بكونها حيادية. 

وللإيجاز المفيد أرى أن الضرورة تقتضي أن أنتقي بعض العبارات الناطقة بمضامينها، أنها مأخوذة من كتاب قام بتأليفه، جمهرة من المؤرخين، و ترجمه (صالح سعداوي) مترجم المعهد إلى العربية، وظهر بالعربية في مجلدين، وهنالك ملحق بهذه المقالة، يتضمن أسماء بعض المؤرخين المشاركين ولا جدال، في أن الباحث أو الراغب في المزيد، سيجد ضالته في بعض مؤلفاتهم الجماعية أو الانفرادية، أو في المؤلفات المتواجدة في أروقة هذا الصرح العظيم 

هذا مع العلم بأن (خالد) كان مدير المركز في الوقت الذي كنت أتردد فيه على المركز، وقد أوصى بفضل علمه وثقافته ، بأن تمد لي يد المساعدة المهنية.

بعض الكتب المميزة والمعبرة عن استراتيجيات المعهد/ 

وسنأتي بمقتطفات من وعاء مقدمة المجلد الأول المعروف باسم الدولة العثمانية تاريخ وحضارة الذي تم اعداده، واعداد مقدمته بإشراف “أكمل الدين احسان أوجلي” عام ١٩٩٩ ميلادية، علمًا بأن المعهد تابعًا “لمنظمة المؤتمر الاسلامي”، وللدلالة على مقدار التقدم العلمي، وصناعة الفكر “التأريخي الحديث” والمتجدد ضمن استراتيجيات فكرية أنتمي فكريًا إليها، رأيتني أستغني عن استخدام أسلوبي في الكتابة القائم عن  التعبير بأسلوبي الخاص، وأستعيض عنه بمقتطفات فكرية اقتطفتها من على صفحات مقدمة المجلد المذكور، ولكل منها فكرة خاصة بها، وفي مجملها “نظرة شمولية لاستراتيجيات الكتابة في المركز” و”بيان لأهم الأهداف المرغوب تحقيقها”، لأقرنها ” بلمسات تأريخية ” مضيئة لمضامينها، ومساعدة على استكمال أفكارها التأريخية ذات العلاقة.

الشعوب الاسلامية تحت مظلة الدولة الاسلامية الواحدة/

يقول مدير المركز في مقدمة المجلد الأول :

“إن للشعوب التي تشكلت من تجمعات ذات لغات وديانات وثقافات وتقاليد معينة، وكذلك التجمعات الأممية، في بعض الأحوال كانت هي العناصر الأساسية، في ظهور الحضارات ومن ثمّ اقتضى الأمر منا أن نتعرف على تاريخ الشعوب، حتى يمكننا أن نحيط بتاريخ الحضارات وقد كان للشعوب الاسلامية، التي انتشرت فوق بقعة جغرافية واسعة، أن تبتدع “الحضارة الاسلامية” التي كان لها اسهامات هامة في تقدم البشرية خلال مراحل مختلفة من التاريخ، في المجالات الثقافية والعلمية والفكرية، وقد استطاعت هذه الشعوب على الرغم من الفروقات الثقافية فيما بينها  أن تواصل العيش معًا قرونًا طويلة، من منظور حضاري واحد”.

لمسات ، لاستكمال الفكرة السابقة/  

{ منظور الحضارة الاسلامية، بغض النظر عن القوميات ذات العلاقة } و { الذوبان الفكري والحضاري والثقافي والجغرافي في بوتقة واحدة، بوتقة الدولة الاسلامية الواحدة، التي تبعثرت أجزاؤها بانتهاء الدولة العثمانية، والتي كانت تتصف بهذا الوصف، لمدة تزيد على ستمائة عام لتأتي بعدها، ومن رحمها الجغرافي دول مستحدثة، وصل عددها قرابة الأربعين دولة، من “دول هيئة الأمم المتحدة”، ومقرها في مدينة نيويورك (أمريكا)، الوارثة لإرث “عصبة الأمم” ومقرها في جنيف ( سويسرا ) .

ورغم تزايد الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة في البدايات، في الفترات التي “التحرر من الاستعمار البغيض” في بعض المناطق الجغرافية  لتقع معظمها بعد ذلك في براثن الاستعمار المقنع (ولنا في تفاصيل ذلك كتابات مستقبلية).
لذا فإن أعداد الدول في هيئة الأمم، تتزايد ببطئ في هذه الأيام ومع ذلك، ومع أنني أتمنى التوافق ما بين الأمم، فإن المؤشرات في يومنا هذا، تؤشر على أن عكس ذلك هو الاتجاه السائد. 

ودارس التاريخ قد يلتمس إلى أن العالم يسير إلى المزيد من أنفاق “تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ”  والذي يؤسفني قوله، لربما يحدث ذلك بوجه خاص، في مناطق دول العالم العربي أكثر مما يحدث في مناطق العالم الأخرى، وأتمنى أن أكون مخطئاً والله أعلم.

تعارف الشعوب عن طريق تبادل المعرفة بأيام تاريخها المشترك/

ويستطرد مدير المركز كاتبًا :

“فمنذ الأيام الأولى التي بدأت فيها العمل مديرًا عامًا للمركز، كانت رسالتي الأولى هي العمل على إجراء البحوث التي تتناول تاريخ الشعوب الاسلامية، وتستهدف تقوية الروابط ودعم التقارب فيما بينها، والعمل على تعرف تلك الشعوب على بعضها البعض، في المجالات التاريخية والثقافية، والسعي في نفس الوقت لإتاحة الفرصة للتعريف الصحيح بالحضارة الاسلامية، في أنحاء العالم المختلفة، ولا سيما في العالم الغربي.

لمسات لاستكمال الفكرة السابقة/

عند قيام الغربيين الأوروبيين بدراسة المشرق وأهل المشرق، هم مبدعين (كما أبدعوا في كثير من العلوم الأخرى)، وبعضهم مشكور على ما أعده، ودونه ولاستخدامه بطرق ايجابية، أفادت “المجتمع الانساني والانسانية والعيش الكريم” إلى أبعد الحدود الممكنة في أيام استحداثها، فالإنسانية ثرية بثراء الفكر الانساني الايجابي والبناء، والشكر واجب على اللاحق، فيما استفاد به عن السابق، مما  يتم استحداثه من العلوم الانسانية الايجابية والبناءة، ومع ذلك على المرء التحسب من الفكر الهدام، الذي يقصد من دراسة مواضيعه، رسم الأفكار الهدامة، و استخدامها في تمزيق الآخر، فالأفكار السلبية وتنفيذها تعود بالويلات على الشعوب التي تحترق من جراء إحداثها، وللأسف مثل هذه السلبيات وجدت منذ القدم، ولا تزال متواجدة في أيامنا هذه. وللأسف مرة أخرى (ومرات) سيستمر العمل بها أو بمثيلاتها، إلى أبد الآبدين والله أعلم.

ولتجنب تكرار أخطاء الماضي، علينا ادراك كنة الطرق السلبية، وعلينا أن نفكر بإيجاد الحلول، مثل إيجاد الفكر الخلاق، وطرق التفكير خارج المألوف (من المربعات الفكرية) ؛ واتقان فن “ادارة الأزمات”.  

وعلينا إتباع سياسة تقول بمليء فيها : “نتمنى الأفضل ونتحسب من الأسوء”، وعلى الانسان الواعي “أن لا يلدغ من الجحر مرتين” أو أكثر، وهنالك مثل أجنبي رديف مفاده : “إن خدعتني مرة، فعيب عليك، أما إذا خدعتني أكثر من مرة، فعيب عليّ”.

وللأسف الشديد نحن في العالم الشرقي، لطالما خُدعنا من أهل العالم الغربي (وحتى من أهلنا المتنفذين الذين يدورون في فلكهم)، وكأنه قد كتب علينا اجترار الألآم مرة تلو المرة، وفي كل مرة نخدع أنفسنا، بالقول التظاهري بالتعلم  من أخطاء (المرة أو المرات السابقة)، لنبرهن على أرض الواقع بأننا ممن يقعون في الحفر ذاتها مرات ومرات، وكلما رسمت بريشة رسام  جديد استحدث رسمها بقناع جديد، ومتجدد. نعم إن في دراسة التاريخ “حكم وعبر” وهذا صحيح وسليم   لكنها “لمن اعتبر”،  والسؤال: هل نحن ممن يعتبر على ضوء دراسات عميقة، ومتعمقة تقوم  على أسس حديثة عند دراسة الأحداث السابقة، أم نكتفي بقشرة بصلة من الدراسة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

للأسف في الغالب لا يأتي الأقوى فكرًا، وإنما الأشرس قولًا وعملًا لتثبيت الحكم بنفسه ولنفسه، وكأن الرعية غنم، يرعون في  المراعي التي يحددها الراعي، وفق أهوائه الشخصية ولتحقيق طموحاته الشخصية، ودون اعتداد برأيهم أو بمصلحتهم الجماعية.

وللأسف أيضًا هنالك حكام يوهمون أنفسهم بأنفسهم، بأنهم جاؤوا عن مقدرة وعلم وخبرة، وهم ليسوا من ذلك بشيء، فيلدغون من نفس الجحر مرارًا وتكرارًا، وترتكب في حقهم وحق شعوبهم الموبقات، وهم يتخبطون “فالتظاهر بالمعرفة”، عندما تكون المعرفة سطحية، قد تسفر عن خسائر قاتلة.

وفي أيامنا هذه هنالك الكثيرون من ذوي “العقول المبسطة”، الراغبين في الاعتقاد بأنهم قادرين على الحكم الرشيد، وهم ليسوا بقادرين وإن استطاعوا ركوب أول “موجة” أوصلتهم “لكراسي الحكم”، فذلك في حد ذاته كافيًا لمسك “مقاليد الحكم” على أفضل وجه ممكن: فالإمساك بالفرس قد يحتاج إلـى مهارة (محدودة)، وركوب الفرس قد يحتاج إلى مهارة (أعلى)، أما “الاعتراك” من على ظهور الفرس فإنه بحاجة إلى مهارات متعددة (وأسمى)، وإلا كان صوت السقوط من على ظهر الفرس مدويًا ولربما قاتلًا.

وللأسف أيضًا هنالك القليلون من “صناع القرار” المدركين بأن “الخطأ لا يعالج بخطأ، وبأن خطئين، لا يؤديان إلى صواب”.

وللأسف أيضًا ليس  من حق “صاحب القرار”، أن يتعلم قص الشعر برؤوس آلامه، فالمضرة تعم  لتصل إلى الرعية بأكملها وقد تتجاوزها إلى ما قد يعود على الانسانية، بسلسة من التبعات السلبية التي قد تتدحرج وتتساقط كأحجار الدومينو، ونجد في يومنا هذا كثيرون من المضللين، القادرين على تضليل الآخرين، لما فيه مضرة الجميع والله أعلم.

ولنكتفي بهذا القدر في هذه المقالة، لنتابع الموضوع في مقالات لاحقة، علمًا بأن المقالات المتعلقة الأحداث التاريخية، سأضعها على بلوغ خاص بها، لعمقها وكثرتها وحداثتها.

Leave a comment