الاستيلاء على منابع البترول العثمانية

فصل ولاية الموصل جغرافيًا

تأسيس “دول مستحدثة “

لإنعاش الذاكرة، ولاية الموصل كانت جزءًا من وعاء الدولة العثمانية الجغرافي الواحد والموحد قبل الحرب العالمية الأولى، وبدايات دخولها في وعاء جغرافي مناطق “الدولة الاسلامية الواحدة”، يعود إلى بدايات العصور الاسلامية، منذ بدايات ظهور الدين الإسلامي، وإلى ما بعد ذلك بحوالي ١٥٠٠ عامًا ، منها أربعمئة عام تحت مظلة الدولة العثمانية.

ولاية الموصل وبعض فئات حكمها، من ذوي الأصول العرقية التركية المسلمة وخرج من ديارها  وأهل ديارها الكثيرون من أهل الدين وأهل الدنيا، ومن بينهم من هم ألمع القادة المسلمين، وأنتقي منهم على سبيل المثال لا الحصر، الزنكيين الذي قادوا الحروب (تحت راية الدولة العباسية) ضد الأوروبيين (الصليبيين)، وضد الدولة الفاطمية في القاهرة (وما وراءها)، لإعادتها إلى حظيرة الدولة العباسية؛ و هم فئات اسلامية حاكمة في  مناطقها ومن أصول عرقية تركية.

الدولة الأيوبية المسلمة (دولة داخل الدولة):

من صفوف الزنكيين، ومن جندهم وقادة جندهم  انطلق أهل صلاح الدين الايوبي،  بزغ نور الدولة الأيوبية، فمن رحمهم تأسست الدولة الأيوبية، وعلى أشلائهم وصلت إلى قمة مجدها وجميعها كانت دولًا اسلامية، داخل وعاء جغرافي واحد، لدولة الاسلام الأشمل(-الدولة العباسية- في تلك الأزمنة) وتسمى كل منها اصطلاحيًا (دولة داخل الدولة).  وكان الأيوبيين من أنسباء الزنكيين ومن هلهم؛ ولذا ساد الاعتقاد بأنهم في الأصل من أصول عرقية تركية،  والبعض يذهب في انتسابهم العرقي ليقول بأنهم من أصول عرقية كردية، ومثل هذا القول يقود إلى ضرورة البحث في ذوي الأصول الكردية، وعلاقاتهم العرقية بذوي الأصول التركية، (ولنا في تفاصيل ذلك كتابات مستقبلية). وهذه الأمور بمجملها تدل على أن الأصول العرقية، في تلك الأزمنة تختلط ببعضها البعض، لتذوب في وعاء الاسلام الموحد، وتدل على أن الدراسات التفصيلية في الأعراق جاءت بتواريخ لاحقة ( ولنا في تفاصيل ذلك دراسات لاحقة ).

أود أن أترك القارئ وفي ذهنه، أن مسلمي ذلك الزمن كانوا يقدرون ” فكرة الحاكم المسلم ” ويضعونها فوق كل اعتبار آخر مثل الاعتبارات العرقية. 
كان عنصر ” الأصل العرقي ” في ذهن مسلم ذلك الزمن – في صورته الشمولية الأكبر-  يكاد أن لا يكون لها أي اعتبار فعلي على أرض الواقع. ففي تلك الأزمنة، وفي الامارات الاسلامية، انطلاقًا من ولاية الموصل ووصولًا إلى الديار المصرية،  كان الحكام من الزنكيين  ذوي الأصول العرقية التركية.
ليليهم الأيوبيين، وأيضًا من أصول عرقية تركية (وإن قال البعض بأنهم من أصول كردية).
وفي  طليعتهم صلاح الدين “محرر” القدس الشريف (قلب فلسطين النابض إلى يوم الدين)، من أيدي الأوروبيين (اللذين تمت تسميتهم تاريخيًا بالصليبيين).


فمسلمي ذلك الزمن لم يأبهوا في بيئتهم الفكرية والدينية المحلية الاقليمية، سوى “بالإسلام دينًا ” جامعًا للشعوب الاسلامية على اختلاف أعراقها، وتباعد رقعها الجغرافية، وما عدا ذلك فهي أمور هامشية ومهمشة.  فنظرة معظم المسلمين، كانت نظرة ” اسلامية ” بحتة، ولم  تكن فكرة   “الدولة القومية المستقلة” جزءًا من تفكيرهم وطرق تقيمهم للأمور والأحداث ( ولنا في تفاصيل ذلك كتابات خاصة بها).

الفئات الإسلامية التركية العرق في أروقة الحكم:

وبنظرة تاريخية سريعة، نشاهد بأن فئات الحكم ذوي الأصول العرقية التركية، قد حكمت في أيام   الدولة العباسية، وأسست دولًا داخل الدولة العباسية من ضمنها: دول الخانيات، ودول السلاجقة، والدولة الزنكية، والدولة الأيوبية، والعديد من الدول الأخرى،  التي اعتبرت كل منها بمثابة “دولة داخل الدولة”. 

بعد اندثار الدولة العباسية: السلاجقة  والدولة العثمانية (فئه حاكمة ذات أصول عرقية تركية)،

استمر تواجد “دولة السلاجقة”، في مناطق الأناضول تحكمها فئة حاكمة تركية العرق، من مدينة قونية، واستمرت في حكمها قرابة المائتي عام، وهي الدولة التي حددت لإمارة آل عثمان مناطق إماراتهم العثمانية الجغرافية في مناطق الثغور، المتاخمة للمناطق البيزنطية، التي استمرت حدودها في التراجع باتجاه القارة الأوروبية. 


كانت الإمارة العثمانية تتوسع لتصبح فيما بعد دولة ثمّ امبراطورية، على جانبي مناطق المضائق والممرات المائية الفاصلة ما بين القارة الأوروبية والقارة الآسيوية، لتعود وتنموا جغرافيًا باتجاه الشرق الآسيوي، وباتجاه الغرب الأوروبي في الفترات الزمنية ذات العلاقة. (ولنا في تفاصيل ذلك كله كتابات مستقبلية).

وبينما كانت الامارات والدول في هذه المناطق الجغرافية الأناضولية والأوروبية، تنموا وتتوحد تحت راية الدولة العثمانية، التي تمكنت من ضم مدينة القسطنطينية عام ١٤٥٣ ميلادية، وبقية أجزاء الدولة البيزنطية في ذلك الزمن. 

الدولة المملوكية (ذات فئة حاكمة من أصول عرقية تركية):

كانت هنالك دولة أخرى، تحت حكم فئة حكم فعلي من أصول عرقية تركية، قد شرعت في تأسيس دولة المماليك (بعد اندثار الدولة العباسية) تحت راية الدولة المملوكية، وشرعت الدولة المملوكية في نموها الجغرافي، باتجاه مناطق الشام وحلب وما وراء ذلك، وباتجاهات جغرافية أخرى، (وسنعمد إلى تناول تفاصيل ذلك كله في كتابات مستقبلية). وخرجت الفئة التركية الحاكمة للدولة المملوكية، بالجيوش ضد ” المغول ” على أرض فلسطين الطيبة، في معركة لتردهم عن التوجه إلى أراضي الديار المصرية -المملوكية-، ( وسنعمد إلى تناول تفاصيل ذلك كله في كتابات مستقبلية).

أماكن الحدود الضبابية والحدود المتحركة: 

استمرت كل من الدولة المملوكية، والدولة العثمانية، في التوسع إلى أن أصبح لكليهما، شبه حدود مشتركة ومتداخلة في نهايات الأراضي الأناضولية الشرقية، وأراضي البلد الشامية الشمالية (ما بعد مناطق حلب). نقطة في غاية الأهمية، لم تكن هنالك حدودًا بالمعنى المفهوم من عبارة “حدود” في يومنا هذا، وإنما كانت الحدود هلامية ومتحركة، وتعتمد على ولاءات الامارات الحدودية (التي طالما تغيرت ولاءتها).


ظهور الدولة الصفوية وفي تلك الأزمنة، ظهرت العائلة الصفوية، ذات الأصول التركية، لتحكم المناطق باتجاه المناطق الايرانية في يومنا هذا،  واتخذت لنفسها مقر حكم من مدينة تبريز (ولنا في تفاصيل ذلك كتابات مستقبلية).

وأضحت الولايات الحدودية، المتصلة جغرافيًا بمنطقة “مرج دابق”، بمثابة الحدود فيما بين هذه الدول الاسلامية، التي كانت أيضا تتبارز على اثبات نفسها، في المناطق الحدودية، وفي اثبات أنها صاحبة القيادة الاسلامية، في عموم ديار الإسلام (ولنا في تفاصيل ذلك كتابات خاصة بها). 

الدولة العثمانية قبل ضم وانضمام مناطق الديار الشامية والديار المصرية:

نجد لزامًا علينا، أن نسلط الأضواء التاريخية، لنختم هذا التاريخ الموجز، بالتأكيد على أن الدولة العثمانية، وجدت وتنامت وصعدت، ووصلت إلى أولى قمم مجدها عام ١٤٥٣ ميلادية – عندما أصبحت القسطنطينية وأراضي الدولة البيزنطية المندثرة جزءًا من أراضيها- وبأن ذلك كله كان نتيجة احترازات أحرزتها الدول العثمانية خلال المائتي عام التي سبقت ضم وانضمام مناطق الدولة المملوكية، بما في ذلك مناطق الديار الشامية ومناطق الديار المصرية.

نقطة في غاية الأهمية التاريخية:

كانت “الامبراطورية العثمانية” قد تبوأت مركزها تحت الشمس، وبزغ  نجمها  ولألأ في سماء مناطقها، قبل أن تصبح مناطق الديار الشامية والديار المصرية جزءًا من ديارها الاسلامية.

نقطة هامة أخرى ولربما أكثر أهمية تاريخيًا:

لم تكن الديار الشامية، أو الديار المصرية في ذلك الزمن : تحت حكم فئة حاكم فعلي من أصول عرقية عربية، وإنما كانت فئة حكم فعلي من ذوي الأصول العرقية التركية.


نقطة أخرى تفوق أهميتها التاريخية أهمية النقطتين السابقتين: 

 الصراع الذي دار ما بين آل عثمان والمماليك، كان بمثابة صراع ما بين فئة إسلامية حاكمة، من أصول عرقية تركية، نجمها في تصاعد، وبين فئة حكم إسلامية حاكمة، من أصول عرقية تركية، نجمها في أفول وانحدار إلى أن اندثرت.

نقطة أخرى تفوق سابقاتها:

من ناحية فئة الحكم الحاكمة، كان الأمر سيان عند عامة أهل الديار الشامية، وعند عامة أهل الديار المصرية، فالحكم قد انتقل من فئة حاكمة تركية، إلى فئة حكم تركية.

ما نسيه أو تناساه المؤرخون:

تفضيل المسلمين لفئة الحكم العثمانية، نجم عن عدة أسباب، من  أهمها أن الدولة المملوكية كانت في انحدار نحو الاندثار، وللباحث النظر في تفاصيل انحدار الدولة المملوكية عليها، بالرجوع إلى المراجع التاريخية ذات العلاقة، في حين أن نجم الدولة العثمانية، كان يتصاعد نوره في سماء المناطق الاسلامية قاطبة، وبوجه خاص بعد أن أصبحت القسطنطينية(اسطنبول في يومنا هذا) عاصمة ملكهم، وبعد ضم مناطق الدولة البيزنطية إثر ذلك (ولنا في تفاصيل ذلك كتابات مستقبلية).

ومع ذلك نرى بأن الضرورة تقتضي تسليط الأضواء، على “أسباب في غاية الأهمية، لم تتناول أغلبية المراجع التاريخية تفاصيلها، بما يبرز أهميتها الاسلامية عند المسلمين قاطبة، وأن قامت بعض هذه المرجع التاريخية بذكره في سطور، ومطورة عن أهميتها الحقيقية.

وهذه الأهمية البالغة لمسلمي ذلك الزمن، كانت تقوم على أساس أن من هو أهل للحكم، يتعين أن يكون الأقدر على حماية:  الدين الاسلامي، وأهل  الاسلام، والديار الاسلامية.

وفقدوا ثقتهم بدولة المماليك التي كانت تفتخر بمقدرتها على القيام بذلك، أيام مجدها ولعجزها عن القيام بذلك خلال أيام انحدارها، ورأوا في دولة آل عثمان دولة صاعدة، بتألق نجمها في السماء بعد أن أصبحت القسطنطينية (اسطنبول في يومنا) عاصمة لها،  وترسخت لديهم عبر الزمن، إن دولة آل عثمان هي الدولة الأكثر مقدرة على حماية: الدين الاسلامي، وحماية أهل الاسلام، وحماية الديار الاسلامية، في تلك الأزمنة.

وتوجت هذه المشاعر، وهذه الأحداث بأحداث انتقال الحكم، من فئة حكم اسلامية من أصول عرقية تركية، إلى فئة حكم اسلامية هي الأخرى من أصول عرقية تركية (ولنا في تفاصيل ذلك كتابات ومقالات تفصيلية).

خلاصة مرحلية:

إن فكرة “الدولة – القومية” حتى نهايات الدولة العثمانية، لم تكن من مكونات أفكار المسلمين، وإن أفكار المسلمين، كانت تقوم: على أنه “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”، وعلى كون أن “لا غالب إلا الله”، وعلى كون الاسلام هو بمثابة “القاسم الأعظم المشترك” الرابط “بين الشعوب تحت مظلة الدين.

وقد يستعمل الراغب في التمزيق، مثل هذا الأسلوب في اللعب “بأحد الأحزاب ضد الآخر” بأشكال متعددة بالتساؤل: 


أولًا: التفريق عن طريق “فقاعت الصابون”، تثير الضبابية المتعمدة بطرح تساؤلات، مثل لمن سيذهب عائد البترول؟ لهذا الحزب أو الحزب الآخر؟ أليس من الأفضل الابقاء عليه تحت سطح البحر لحين الوقت الأنسب؟

ثانيًا: الديموقراطية تفترض التعددية، وتقوم دول أوروبا وأمريكا الشمالية، وحتى الدولة المجاورة، على أساس التعددية.

لنسأل أنفسنا بأنفسنا: لماذا هذه “الازدواجية في  المعايير” عندما يطرح علينا نحن من دون غيرنا مثل هذا السؤال؟ لماذا يجوز لهم التعددية، وعندما تحصل في بيتنا نلام عليها!
الجواب الأصح هو “أن الراغب في التمزيق”، يرغب توسعة شقة الخلاف ما بين الأحزاب،  وزرع الكراهية و”الكراهية المتبادلة” بين أتباع الحزب، والحزب الآخر أو حتى داخل الحزب الواحد.


ثالثًا: في الدول “الديموقراطية” يبشرون بالتعددية كرمز للديمقراطية، بل وتذهب الأحزاب الديموقراطية، إلى أبعد من ذلك فتقوم بإبرام اتفاقيات مرحلية توافقية بين الأحزاب الحاكمة وما إلى ذلك لتنظيم علاقاتها، أما في مواجهتنا فيقال: أتم أكثر من حزب أذهبوا واتفقوا، وعودوا إلى الطاولة للكلام معنا كجهة واحدة، وهم  أدرى الناس بأن تعدد أوجهة النظر الحزبية، لا تمكن أي  حزب أن يذوب في الآخر.

هنالك الكثير مما يتعين تناوله والاجابة عليه، ولكن هذه المقالة الهدف منها تفعيل الاقتصاد، وتفعيل استخراج الغاز، لإيجاد الوظائف المناسبة، بالشروط المناسبة للعاملين والموظفين، ولكافة المنخرطين في اللعبة الاقتصادية.

زبدة الخلاصة المرحلية:

واجب اقتصادي: على مر السنين هنالك خسارة جغرافية، الرقعة الجغرافية الفلسطينية تتآكل.

واجب اقتصادي: على مر السنين هنالك تهجير، في ظاهرة اختياري هنالك خسارة في القوى البشرية.

واجب اقتصادي: على مر السنين هنالك حنفيات دول مانحة أقفلها أصحابها وما يزالون هنالك عجز متزايد في الميزانية .

واجب اقتصادي: على مر السنين يتزايد ارتهان الاقتصاد ويرتفع الثمن السياسي لتحريكه (والتحريك بالقطارة).


وإلى اللقاء في مقالة لاحقة.

One comment

  1. سرد تاريخي جميل يوضح اسس الارتباط الفكري والتبعية السياسية لسكان المنطقة
    نرجو منك المزيد من الافكار التي يلزمنا للانطلاق واعادة صياغة الحاضر

    Liked by 1 person

Leave a comment