إن اهتمامات فرنسا وبريطانيا  في ” تركة ” الدولة العثمانية المتمناه، من المفيد لمعرفة ما سندونه لاحقًا في هذا المقال، وفي المقالات المستقبلية، أن نعود  في المعلومة التاريخية إلى الوراء تاريخيًا، لإنعاش الذاكرة حول طموحات كل من فرنسا  وبريطانيا، في الاستيلاء على أراضي الدولة العثمانية في مناطق المشرق العربي الجغرافية (مناطق الشرق الأوسط في أيامنا هذه) أو مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ) كما يحبذ البعض تسميتها.

الاهتمامات التجارية الاقتصادية


تعود هذه الاهتمامات إلى عصور التجارة الدولية (كما نسميها في يومنا هذا)، فيما بين المستهلك الأوروبي وبين المصدر من الهند وما وراءها، عبر المناطق العثمانية الثلاث: 


أولها/ ما يعرف باسم طريق الحرير الممتدة – برًا- من الصين، إلى داخل أراضي الدولة العثمانية وإلى شواطئها، لتصل في  نهاية الأمر إلى بلاد القارة الأوروبية. 


وثانيها/ من الهند وما وراءها – بحرًا – وصولًا إلى الخليج الفارسي (الذي تشترك الدول العربية والخليجية تسميته بالخليج العربي، والذي أحبذ أن اطلق عليه اسم ” الخليج ”  إسوة ببعض الخليجيين)، ومن ثمّ برًا عبر أراضي الدولة العثمانية (أراضي الدول العربية، وتركيا في يومنا هذا) ليصل موزعًا: جزء منه إلى شواطئ البحر الأسود، والجزء الأكبر إلى شواطئ البحر الأبيض (وجميعها عثمانية إثر اندثار الدولة المملوكية) . 


وثالثها/ من شواطئ ومن الهند وما وراءها – بحرًا – عبر مياه المحيط الهندي، وعبر مياه البحر الأحمر وصولًا إلى أراضي الديار العثمانية – المصرية خلالها – برا – إلى شواطئ البحر الأبيض؛ لتشحن إلى الدول الأوروبية عبر الموانئ الأوروبية.

وتزايدت الأهمية التجارية لهذه المناطق العثمانية –العربية- عبر الزمن، بعد أن قاست الكثير، خلال فترات ما بعد قيام الرحالة  الأوروبيين – البرتغاليين -، بعد ابحارهم في مياه المحيط الأطلسي المتاخمة لشواطئ القارة الأفريقية، بالالتفاف حول القارة الأفريقية (مناطق جنوب أفريقيا في يومنا هذا – رأس الرجاء الصالح)، وتمكنهم وتمكن الأوروبيين الآخرين من بعدهم، من الإبحار في مياه المحيط الهادي، مرورًا بالشواطئ الشرقية للمناطق العثمانية – العربية –  وصولًا إلى الهند وما وراءها.

الأحداث الجسام، والنقلات النوعية التاريخية المواكبة لها/ 

 من أهم الأحداث النوعية المواكبة للاكتشافات الجغرافية في ذلك الوقت أمورًا أربعة: 

أولها / اندثار الدولة الأندلسية الاسلامية – العربية – التي دام تواجدها إلى ما يزيد على السبعمائة عام، والتي حلت محلها دولتي إسبانيا والبرتغال كما تعرفا في يومنا هذا، وحكام كل منهما من الأوروبيون، وبوجه خاص العائلة الأوروبية التي عرف اسمها لاحقًا بال هاباسبورغ، وهي العائلة التي حكم أفرادها معظم البلاد الأوروبية، بعد أن شاع الزواج السياسي، بين أفراد

العائلات المالكة في معظم الدول الأوروبية.

وثانيهما / قيام الإسبان والبرتغاليين باكتشاف القارتين الأمريكيتين – ثروات العالم الجديد من ذهب ومزارع – ، وللأسف الاتجار بالإنسان: ما يسمى بتجارة العبيد، وأدت هذه الأمور مجتمعة ومتفرقة، إلى التفوق البحري للدولتين في مياه المحيطات وإلى استعمارهما (بالمعنى الحديث للكلمة) للأماكن الجغرافية الواقعة على شواطئ المحيطات والبحار المكتشفة، ومنذ ذلك الوقت أصبح الدافع إلى احتلال المناطق الجغرافية، هو في المرتبة الأولى دافع تجاري – اقتصادي – بالنسبة للدول الأوروبية؛ مؤيدًا بقوة عسكرية بحرية وبرية تحمي هذه المصالح التجارية -الاقتصادية -، الأمر الذي أدى بدوره (مع عناصر أخرى) إلى تواجد الاستعمار البرتغالي في أمريكا الجنوبية(علمًا بأن لغة البرازيل هي اللغة البرتغالية حتى يومنا هذا، في حين أن الدول الأخرى في  يومنا هذا، تستعمل اللغة الإسبانية)، وكانت اللغة الإسبانية هي اللغة الأوروبية التي بادر الأوروبيون في استعمالها في أمريكا، ولكن اللغة الانكليزية بعد السيطرة الانكليزية على أمريكا الشمالية، أضحت اللغة الانكليزية هي لغة الأغلبية في  مناطق أمريكا الشمالية الجغرافية، لتتبعها اللغة الفرنسية التي مازالت مستعملة، بوجه خاص في الولايات الأمريكية وفي بعض المناطق الكندية .

وللعلم: كانت مناطق الولايات المتحدة الأمريكية، بمثابة مستعمرة انكليزية، إلى أن أعلن استقلاها  عام ١٧٧٦ ميلادية، إثر حروب استقلال (حروب تحررية) ضد الملكية البريطانية في ذلك الزمن. 

وللعلم أيضًا: كانت كندا وما تزال (بمكوناتها الفرنسية والأوروبية)، دولة تابعة للتاج البريطاني حتى يومنا هذا، وإن كانت هذه الرابطة تتضاءل أهميتها السياسية بمرور الزمن، لدرجة أصبحت معها “شبه رابطة احتفالية شكلية” ليس إلا وبالكاد أن يلحظها من هم خارج الدوائر ذات الاهتمام. 

ثالثها/ توسع الإمبراطورية العثمانية الاسلامية، وانضمام المزيد من المناطق إلى رقعتها الجغرافية، في أزمنة متزامنة مع أزمنة اندثار الدولة الأندلسية (الاسلامية)، و اندثار الدولة المملوكية (الاسلامية). كان نجم الدولة العثمانية في تصاعد وازدهار وتألق ما بعده تألق بعد أن أضحت القسطنطينية عام ١٤٥٣ عاصمة للدولة العثمانية .
وسأضع أهم الأمور التاريخية ذات العلاقة في نقاط، يمكن تناول تفاصيلها لاحقًا في مقالات

خاصة بكل منها.

للعلم:  كل دولة كبرى في المناطق الاسلامية تعتبر بمثابة دولة اسلامية .

للعلم:  كل فئة حاكمة ولاية دولة اسلامية هي ” فئة حاكمة اسلامية ” .

للعلم: الفئة الحاكمة الاسلامية التي حكمت فعلًا عبر التاريخ، قد تكون من أصول عرقية عربية، و قد لا تكون كذلك. 

للعلم: إن الفئة الحاكمة الاسلامية للدولة الاسلامية المسماة ب”الدولة الأموية”، فئة حاكمة اسلامية من أصول عرقية عربية.

للعلم: إن الفئة الحاكمة الاسلامية للدولة الاسلامية المسماة ب”الدولة العباسية” فئة حاكمة اسلامية من أصول عرقية عربية.

للعلم: إن الفئة الحاكمة الاسلامية للدولة الاسلامية المسماة ب”الدولة المملوكية” فئة حاكمة اسلامية من أصول عرقية تركية.

للعلم: إن الفئة الحاكمة الاسلامية للدولة الاسلامية المسماة ب”الدولة العثمانية” فئة حاكمة اسلامية من أصول عرقية تركية.

ومن هذا السرد، أود أن أسلط الأضواء على أن الشعوب الاسلامية في الدولة الاسلامية، كانت محكومة في ظل الدولة الاسلامية  المسماة ب “الدولة المملوكية”، من قبل فئة حاكمة اسلامية من أصول عرقية تركية، قبل اضمام وضم مناطقها الجغرافية إلى الدولة الاسلامية الصاعدة المحكومة أيضًا من قبل فئة حاكمة اسلامية من أصول عرقية تركية، ولمدة تزيد على مائتي عام قبل عمليات الضم والاضمام.

أي في المدة السابقة لانضمام المناطق الاسلامية ذات الشعوب العربية، كانت محكومة من فئات حكم اسلامية من أصول عرقية تركيه (أيام المماليك) لمدة تزيد مدة على المائتين وخمسين عامًا،

والفئة الحاكمة الاسلامية(العثمانية) التي حلت محلها هي الأخرى من أصول عرقية تركية، كانت تحكم مناطق اسلامية في الأناضول، والمناطق الأوروبية المقابلة لها عبر المضائق والمناطق البحرية ذات العلاقة.

وأتمنى على المؤرخين العرب، ومن يدور في فلكهم، النظر إلى الأمور، بالعين التاريخية المجردة من الانحياز العنصري.

إن انتقال الحكم من دولة المماليك إلى الدولة العثمانية، كان بمثابة انتقال حكم من فئة حكم تركية إلى فئة حكم تركية أخرى.

ولربما وصل البعض إلى ضرورة إصلاح وتعديل المفاهيم والكتابات التاريخية والغير تاريخية، ذات العلاقة، على ضوء هذه المعلومات والايضاحات الثابتة تاريخيًا ملاحظة شمولية، ولنا في تفاصيل كل ذلك كتابات مستقبلية.

رابعها / سيطرة الأسطول العثماني في البحر الأبيض والمناطق البحرية الأخرى، منذ بدايات تواجد حكم السلاجقة،  وفئات حكمهم فئات اسلامية من أصول عرقية تركية، وفئات حكم المماليك وفئات حكمهم فئات اسلامية  من أصول عرقية تركية، وفئات حكم العثمانيين وفئات حكمهم اسلامية  تركية، ومن تصادف  حكمهم أيام الأندلس وفئات حكمهم اسلامية  أندلسية (متعددة الأصول العرقية)، وفئات حكم الجزائر والمغرب وفئات حكمهم مزيجًا من ذوي الأصول العرقية العربية والبربرية والأندلسية، وحتى إلى ما قبل ذلك،  والدولة الاسلامية مسيطرة في البحر الأبيض وما يتفرع منها أو يرتبط من بحار لها تسميتها الخاصة. 

وقد تمكنت الدولة الاسلامية خلال حكم هؤلاء، من السيطرة البحرية على معظم أجزاء شواطئ البحر الأبيض وشواطئه: شواطئ ألبانيا، وشواطئ اليونان، وشواطئ الأناضول، وشواطئ سوريا وشواطئ لبنان، وشواطئ فلسطين، وشواطئ مصر، وشواطئ ليبيا، وشواطئ تونس، وشواطئ الجزائر، وشواطئ المغرب، وشواطئ اسبانيا، والأكثر من ذلك شواطئ فرنسا أيام تحالف الفرنسيين مع العثمانيين، والسماح للأسطول العثماني في البقاء في احدى فصول الشتاء، لحمايته من الأعاصير، والجزر اليونانية بما في ذلك جزيرة كريت، والجزر الأناضولية بما في ذلك جزيرة رودوس، وجزيرة قبرص، وجزيرة صقلية، وجزيرة مالطه، وجزر الشواطئ الاندلسية، وجزر شواطئ شمال أفريقية. 

وللأسف لم يكتب بالعربية ما يكفي عن مواضيع التفوق البحري العثماني،  والحروب البحرية في مواجهة الآخرين . 

للعلم: أبدعت الدولة العثمانية في هندسة وتصميم وبناء السفن الأكثر كفاءة والأفضل استعمالًا، في مياه البحر الأبيض المتوسط، على اختلاف فصوله وأحواله الجوية من عواصف وأعاصير.

ملاحظه شمولية، ولنا في تفاصيل ذلك كتابات مستقبلية.

للعلم: لا بد لنا في هذا المقام إلا أن نذكر بأن فرنسا وبريطانيا بالتعاون مع حكام أهل مصر، قاموا ببناء قناة السويس التي تعتبر من احدى الانجازات الهامة في تاريخ الملاحة البحرية العالمية، وانتهى بها الأمر بإخراج مصر- العثمانية – من معادلة تملك قناة السويس، وانفردت بإدارتها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وقامت بشن حرب سميت بحرب العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، بعد أن قدر للمصرين استعادة ملكية قناة السويس ؛ وإظهارهم لقدراتهم الخارقة في كيفية ادارتها.

للعلم: حاولت ونجحت بريطانيا، لنفسها وبنفسها في الابقاء على الخطوط البحرية، سالكة لمصلحتها ابتداء وللآخرين بالتبعية.

للعلم: نجحت بريطانيا في السيطرة على خطوط الملاحة البحرية من الهند، وعبر العراق.

للعلم: نجحت بريطانيا في السيطرة على خطوط الملاحة البحرية من الهند إلى عدن، وعبر باب المندب والبحر الأحمر حتى أرض مصر الطيبة، ومنها عبر قناة السويس والانطلاق في البحر الأبيض، وصولًا إلى مضيق جبل طارق، ومنه العبور إلى المحيط الأطلسي وصولا إلى موانئه، ومنها إلى موانئ مناطق أوروبا الشمالية.

وفي مجالات البترول 

شاهد أهل الخبرة البريطانيون منابع البترول العائم، من ذاته وبذاته على سطح الأراضي الكويتية  فأبرمت مع الكويت اتفاقية صداقة وحماية عام ١٨٨٩، وتجلت خبراتها في التنقيب عن البترول، واستخراجه في المناطق الايرانية عام ١٩٠٨ ، والانطلاق من هناك للسيطرة على بترول منطقة الموصل العثمانية، عن طريق مدروس أوله القيام بفصل مناطق الدولة العراقية المستحدثة عن أراضي الدولة العثمانية، واتباع الخطوات التالية التي ستمكنها من السيطرة على بترول الموصل.

وبلغت أهمية السيطرة على منابع البترول قمتها في تلك الأزمنة، بعد أن قررت عام ١٩١١ استبدال وقود أساطيلها إلى الحربية (ومن ثمّ التجارية)، من “الفحم ” إلى ” البترول “، فأصبح البترول بعد ذلك بمثابة سلعة استراتيجية بالغة الأهمية: شريان كل آلة تسير بالبترول.

لذا ولأسباب أخرى، عمدت بريطانيا وفرنسا إلى الاتفاق على العمل على فصل المناطق الجغرافية العربية الآسيوية، عن مناطق الدولة العثمانية كما اتفقت كل منهما مع الأخرى، على تقسيم المناطق الجغرافية إلى “دول  مستحدثة ” ذات تسميات قديمة ؛ و تم الاتفاق تقاسم الدول المستحدثة ، ولمن ستكون تابعة وما إلى ذلك من أمور . 

وسنعمد إلى بيان تفاصيلها في مقالات خاصة بها . 

الدور البريطاني الأكبر/

خططت بريطانيا مع فرنسا، بوجه خاص وعمدت إلى لعب دور قيادة في :

– تمزيق أواصل الدولة الاسلامية العثمانية.

– تمكنت من زراعة “الكراهية المتبادلة”، واستخدمت ” فقاعات الصابون “، وبثت أفكار ” الدولة  القومية “، وطبقت أفكار ” فرق تسد “، واغتصبت ثروات الآخرين البترولية وغير البترولية،  وأدخلت العالم في نيران الحرب العالمية الأولى، لتتمكن من تحقيق مكاسبها الاقتصادية، وسيطرتها السياسية، وقامت بإضعاف الدول الأخرى والشعوب الأخرى وحتى الشعوب التابعة لها.

التفكير البريطاني الهدام/ 

يا له من تفكير خلاق، ولكنه من المؤسف أن يكون في الوقت ذاته،” تفكيرًا هدامًا “، يا حبذا لو جنبت بريطانيا عالم ذلك الزمن، ما حلّ به من دمار، وما فقده من أبنائه الأخيار، ويا حبذا لو تسنى لها النظر إلى العالم نظرة انسانية، ولكن ذلك كان أبعد ما في ذهن “صناع القرار”.

دروس وحكم وعبر/

إن في قصص استيلائها على بترول ولاية الموصل العثمانية، ودورها في “تمزيق أواصل الدولة العثمانية الجغرافية”، وما إلى ذلك من السلبيات التي تقشعر لها الأبدان.
حكم وعبر لمن يحاور عن فلسطين لكي لا يقع في ” حفر التحاور ” ويخرج منها عليل،
              “إذا رأيت نيوب الليث بارزًة …  فلا تظنن أن الليث يبتسم ” .


وفي المقالات القادمة المزيد من الدروس والحكم والعبر، وللاستفادة سنقوم بكل ايجاز في بيان دور بريطانيا، وممارساتها لتفكيرها الهدام في مواجهة: الدولة العثمانية والدولة الألمانية والدولة الفرنسية والدولة الأمريكية، وحتى في مواجهة الدولة العراقية (الدولة المستحدثة)، وفي مواجهة النخبة العربية – العراقية، التي علقت على بريطانيا الآمال، ليجد العراق الحديث نفسه خالي الوفاض من بتروله،  ليقوم العراق المستحدث بعد ذلك، في محاولات بعضها خائب وبعضها مصيب، في استرداد جزء من ثروته البترولية، عبر فترات زمنية لا نهاية لها في الأفق القريب أو المتوسط، ولربما في الأفق البعيد. 

لنتعلم من دروس الآخرين، رغم أن فلسطين مادة دراسية ثرية ،  لأهلها وللآخرين.

كان الله في عون المرء، ما دام  المرء في عون نفسه والله أعلم.

Leave a comment