يمكننا بكل إيجاز وصف أسلوب “فقاعات الصابون”، بقولنا: 

يقوم  “المحاور الأكثر دهاء” وفق طرق مدروسة، بنشر فكرة مرحلية لإيهام “المحاور المستهدف” بوجود مكاسب (وهمية) مثل “الارتخاء الاقتصادي” الذي يحقق ل”الطرف المستهدف” ومحاوره؛ الثراء والعيش الكريم، و … إلخ.

لكون “الطرف المستهدف ” ومحاوره متعطشان لتحقيق المكاسب الموعودة (والموهومة)، و لكونها كما يقال “وعودًا تدغدغ عواطف الطرف المستهدف”، فيقوم “محاور الطرف المستهدف” أخذها بعين الاعتبار(وكأنها حقيقة ثابتة) ضمن معادلاته الفكرية عند التحاور.

فيقوم “الطرف المستهدف” بالتسامح على طاولات التحاور ببعض حقوقه الرئيسية، مقنعًا نفسه بنفسه أن مثل هذا التسامح، هو لقاء المكاسب الاقتصادية  الموعودة (الموهومة)، والمتأتية “نتيجة فقاعات الصابون”.

وبعد أن ينال طرف المحاور الأكثر دهاء أهدافه المنشودة (التنازلات التي تمت على طاولة التحاور)، يقوم بافتعال الأزمات أو الأحداث أو بانتحال الأعذار، التي تتسبب في اندثار المكاسب الوهمية المتوقعة، التي تم ايهام الطرف المستهدف بها. 

بعد أن يكون الطرف الأكثر دهاء قد حقق مصالحة، واستحال الوضع على الطرف المستهدف باسترداد ما تنازل عنه.

أماكن بث الأحلام الموهومة (فقاقيع الصابون):

لكي يؤتي هذا الأسلوب بمؤكله، تتم الوعود الموهومة، خارج  صالات التحاور، وتقوم الآليات  “الإعلامية وغير الإعلامية” التابعة للطرف الأكثر دهاء، على بث ونشر “الوعود الموهومة” في وسائل النشر (المسموعة والمرئية والمقروءة) مع تضخيمها قدر المستطاع، ومع جعلها سهلة الابتلاع، واقناع الطرف المستهدف بوهم أنها قادمة لا محالة. 

الوقوع في مطبات “فقاعات الصابون”:

وفي نهاية المطاف، يخرج الطرف الأكثر دهاء، بمكاسبه المدونة أو الملزمة، ويخرج الطرف المستهدف ب “خفي حنين” خالي الوفاض من أوهام توهمها وأحلام حلم بها، أحلامًا وكأنها “فقاعات صابون” تبخرت في الأجواء وكأنها لم تكن.

أحداث تاريخية سابقة  “فقاعات الصابون”:

على “صناع القرار” ومن يمثلهم على طاولة الحوار، الاستفادة من دروس الماضي:

أولًا : “فقاعة الصابون” والتحسن الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة” إن العودة إلى التاريخ الاقتصادي، منذ سبعينيات القرن الماضي، تدل على أن التحاور والحوار الفكري في ذلك الوقت كانت ترافقه “فقاعة صابون”، تحسين الاقتصاد والأحوال المعيشية للمواطن العادي “وما يواكبها من خيال وتخيلات على مراحل، جيشت وسائل الدعاية أجهزة التبشير بمثل هذه الفكرة، تحت عدة عناوين سميت بعضها “بالارتخاء الاقتصادي”، “امكانيات بناء الاقتصاد السليم”، “امكانيات تحسين أحوال المواطن العادي”، و” عوائد وفوائد السلام اقتصاديًا”، وما إلى ذلك من تسميات واعدة براقة، تدغدغ عواطف المواطن و”تلعب له على الوتر الحساس”.

فالشعب الشرق أوسطي، أي شعب كغيره من شعوب العالم، يرغب في (ومن حقه) التمتع ب ” الرخاء الاقتصادي، وبناء الاقتصاد الواعد، الذي يفي بمتطلبات الدولة وشعبها، والقادر على تحسين الأحوال المعيشية للمواطن العادي، وليفي بمتطلبات أهل تلك الفترة الزمنية، وقادر على الاستمرار في التنامي للوفاء بمتطلبات من سيأتي بعدهم من الأبناء والأحفاد، خلال الفترات الزمنية اللاحقة.

تساؤلات تتضمن اجابات: 

فالشعب المصري وقع تحت تأثيرات مثل هذه الفقاعة من “فقاعات الصابون” منذ السبعينات، بوجه خاص، فهل أحوال الشعب المصري اقتصاديًا في أيامنا هذه أحسن حالًا؟ أم أن فقاعة الصابون التي ظهرت منذ سبعينات القرن الماضي اندثرت، وذهبت هباءً منثورًا  وكأنها لم تكن.

وكذلك الأمر، وقع الشعب الأردني منذ التسعينيات، تحت تأثير فقاعة الصابون ذاتها، فهل حالة الشعب الأردني الاقتصادية اليوم أفضل حالًا من مثيله في تلك الأيام؟

وكذلك الأمر فقد وقع الشعب الفلسطيني منذ التسعينات، تحت تأثير فقاعة الصابون الاقتصادية المشابهة، فهل حاله الاقتصادي اليوم أحسن حالًا من تلك الأيام؟

الظاهر والله أعلم أن الشعب السوداني يسير هو الآخر في مطبات “فقاعات الصابون” الاقتصادية، معتقدًا (ومتوهمًا) بأن باب الفرج الاقتصادي فتح على مصراعيه، وآن الأوان ليكي يتمتع بما يرغب في التمتع به أي شعب.

والظاهر أيضا والله أعلم على شاشات التلفزيون، أن السودان قد حصل على قرض ببليون دولار، وإذا ما نظرنا إلى هذا القرض بعين فاحصة ولو جزئيًا، لتبين لنا:

1- أن مبلغ هذا القرض مقيدًا في أوجه استعمالاته وليس مطلقًا، بحيث يمكن استخدامه لسد الاحتياجات الأكثر إلحاحًا.

2- هو قرض من “بنك حكومي أمريكي”، ومن أهدافه الرئيسية، تشجيع تصدير المنتجات الأمريكية، وبالتالي ترتبط أوجه استعماله بما يحقق هذا الهدف.

3- أن كلمة قرض تعني الحصول على قيمة القرض، والقيام لاحقًا بإعادته وتسديد الأصل والفوائد في مواعيدها للجهات المقرضة، فهو ليس بمنحة لا ضرورة لسدادها ويمكن انفاقها وفق متطلبات واقع الحال.

4- إذا لم تنفق قيمة القرض بأوجه لها مردود مالي يفي بمتطلبات تسديد أصل القرض (بليون دولارًا)، والفوائد المستحقة حتى تاريخ السداد، فالمشكلة الاقتصادية ستزداد تعقيدًا، ويحل محل الرخاء الموعود والموهوم (لا سمح الله) المزيد من الانحدار في “الحفرة الاقتصادية” التي نعرف مداها  في يومنا هذا، ولا نعرف مداها مستقبلًا.

العبر التاريخية: 

لندري أولًا، حقيقة ما هو موعود؛ هل هو منحة متكررة (تزداد قيمتها سنويًا بمقدار التضخم المالي)؟ هل ستكون هنالك امكانيات لمنح أخرى لكي يستمر دعم الاقتصاد إلى درجة تمكنه من الوقوف على أرجله الذاتية، والاستمرار في ذلك؟

ولندري ثانيًا، إذا ما كان الوعد على شكل قروض،  وفي الوقت ذاته إدراك أن القروض يتعين تسديد أصولها والفوائد المستحقة عليها في المواعيد المحددة لذلك، وإذا لم يكن في الامكان القيام بذلك، فإن ما لم يتم تسديده هو عبئًا إضافيًا يزيد من أثقال الأعباء الاقتصادية.

ولندري ثالثًا، هل ما وعد به  بمثابة “فقاعات صابون” مخدرة للشعوب، خلال فترات مرحلية لتذوب فيما بعد، وتصبح كأن لم تكن؟ وتجنب الأدهى من ذلك ألا وهو: تمكين الطرف الأدهى الاستفادة من تواجد هذا المخدر، في تحقيق أهدافه إلى أبعد حد ممكن، ودون استفادة الجانب من المستهدف من تواجد فقاعات الصابون، لكونها كذلك مجرد فقاعات صابون.

كنت وما زلت أتمنى لجميع الدول والشعوب تحقيق أهدافها الاقتصادية المنشودة، من صميم قلبي.

الحذر و “معادلة التفاؤل الواقعي”:

أنا من المشجعين في الدخول في الحوارات الغير عبثية والمنتجة لآثارها، وفق ما يتم الاتفاق عليهن، وفي الوقت ذاته، أرى أن الضرورة تقتضي تبيان وجوب الحذر، من أساليب “فقاعت الصابون” لكي لا نقع في المحظور .


فمن المتعين على المحاور والدولة والشعب:

 ضرورة تدوين ما هو موعود بطريقة واضحة، محددة للمبالغ ومواعيد استلامها، وعما إذا كانت منح أم قروض أم مزيج، وما إلى ذلك من أمور، وتوخي الحذر من الوقوع في براثين المحظور (فقاعات الصابون).

تجربة الغاز الفلسطيني والوقوع فعلًا في فقاعات الصابون:

الظاهر والله أعلم، أن الأطراف الأكثر دهاء، استفادت إلى أبعد حد ممكن من أساليب “فقاعات الصابون”، منذ تسعينات القرن الماضي، في مجالات الغاز الفلسطيني، أو الغاز الذي قد يمر من الأراضي الفلسطينية. 

 ولإبراز الموضوعية في الكتابة، رأيت اقتباس ما يتعين علي اقتباسه من مدونات الآخرين، وإن أضيف إليه ما يتعين إضافته كباحث ودارس ومؤرخ؛ لكي يستوفي الموضوع حقه، عند تناول أساليب “فقاعت الصابون”.

مشروع سلام  غاز الشرق الأوسط:

كل من عاش تجارب التسعينيات على حقيقتها، وأنا كنت في الديار الفلسطينية في ذلك الوقت، ومن المهتمين في مراقبة الأوضاع عن كثب، شاهدت وسمعت الكثير عن المشاريع الضخمة المسماة ” جامبو “( (Jumboفي ذلك الوقت، حيث كانت طائرات الجامبو جيت هي معيار الوصف السائد لوصف كل ما هو ضخم.

ويقول الخبير والباحث المصري في شؤون الطاقة عمرو حمودة، في وصفه للمشروع ما يلي :

“عقب توقيع اتفاقية غزة – أريحا أولًا عام( ١٩٩٣)، طرح على الساحة الدولية والاقليمية ما سمي “مشروع السلام في الشرق الأوسط”، وفي مسمى آخر “السوق الشرق أوسطية”، وكان الهدف الأساسي، إدماج إسرائيل في اقتصاد المنطقة العربية، وربط الدولة الصهيونية بروابط اقتصادية مع جاراتها أولًا، ثم مع بقية الدول الأعضاء في الجامعة العربية. 


ويستمر قائلا : بناءً على ذلك، ظهر مشروع ضخم على الساحة آنذاك، سمّي “السلام لغاز الشرق الأوسط”، تقدمت به ثلاث شركات عالمية في الصناعة النفطية، هي: شركة أرامكو الأمريكية، وإني الايطالية، وبكتل الأمريكية، وكان المتحدث الرسمي باسم هذه الشركات {الثلاث} السينيور  موسكاتو(رئيس شركة إني) .

ويلخص الباحث المصري ماهية المشروع بقوله:

“يتلخص المشروع في خط أنابيب يبدأ من الجزائر ويرتبط بليبيا ثم مصر ويتجه إلى فلسطين وإسرائيل والأردن، ثم  سوريا ولبنان، و يتجه بعد ذلك إلى تركيا ومنها إلى تغذية دول وسط أوروبا وشرقها بالغاز. “

وفي وصفه لمن تبنى هذا المشروع ، يقول الباحث: “وقد تبنت الحكومة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي هذا المشروع الضخم”

مداخلة:

في البداية ظهر المشروع بمظهر المشاريع الحقيقية، التي تتبناه جهات دولية لها ثقلها ومصداقيتها

ولتعطش الفلسطينيين وغيرهم، أخذ المشروع على محمل الجد، ووقعت جميع الدول المستهدفة في حفر “فقاعات الصابون”، وبعد أن حققت الدول الأكثر دهاء ما يمكن تحقيقه، في سبيل تحقيق أهدافها، عادت الدول المستهدفة بتقولات تدركها منذ البدايات، لتتحيثها كوسيلة لاعتبار “فقاعات الصابون” كأن لم تكن. 


فجاءت أقوال الباحث المصري لتجسد أقوال الآخرين على النحو التالي :

 إلا أن المشروع اصطدم بعدد من الصعوبات

   – حجم رأس المال الكبير المطلوب.

   – المفاوضات الشاقة لتجمع الدول العربية عليه.

   – عدم حسم قضية انشاء الدولة الفلسطينية واستمرار النزاع مع اسرائيل في شأنها.

   – رفض بعض الدول العربية الاشتراك مع اسرائيل في مشروع استراتيجي كبير يفرض عليها وجودها عليهم ، في التخطيط له وإدارتهم معهم .

ويختتم الباحث المصري وصفه لنهاية المشروع قائلا :

” كانت النتيجة النهائية توقف المشروع، وتجمدت الدراسات الفنية، والمفاوضات مع المصارف الدولية في شأنه ” (ولنا في تفاصيل ذلك مقالات خاصة بها) .

سيئات ” فقاعت الصابون “

وكان أن تم للطرف الأكثر دهاء، تحصيل أقصى ما يمكن تحصيله من أهداف، وفقدان الطرف المستهدف لما فقده دون امكانية استعادة أي شيء.

المشروع الاخر/ ما كتبنا عنه مقالات ومقالات

على الدولة القيام (وعلى الشعب أن يحثها على القيام) باستئناف عمليات تطوير مشاريع الغاز على الشواطئ الفلسطينية، والاستفادة من تدفقاته النقدية, دون إطالة لأمد التوقف الغير مبرر، والله اعلم . 

وقد كتبت المقالات وقدمت الأدلة، ولا يزال صناع القرار ممتنعين عن الاجابة بإرادتهم المنفردة، وممتنعين عن استئناف الأنشطة ذات العلاقة، وممتنعين عن إبداء أية أسباب مهما كانت طبيعتها. 

الدروس والعبر المستفادة: 

فيما تقدم بحث تاريخي للمحاور الفلسطيني ولصناع القرار، وللشعب الفلسطيني على وجه العموم، وعلى كل منهم العمل على (وإدراك) ما يلي:

– إذا ما عرض عليك عرض “فقاعات صابون”،  تعامل معه على أفضل وجه ممكن، ولا تقع في شباك ذلك الأسلوب .

– على الإنسان محاولة الحصول على الأفضل، وفي نفس الوقت التحسب مما هو الأسوء، وعلى أية حال عدم التسليم بالأمر الواقع.

في الختام: 

 لدينا غازًا ثابتًا وجوده، قولًا وفعلًا وقانونًا، فما علينا سوى  متابعة المسيرة المدروسة، للوصول إلى الأهداف المنشودة، وكفانا التوقف وقد توقفنا لما يزيد عن عشرين عامًا، قاسى الشعب خلالها “الأمريّن”، ولنتجنب الوقوع في مطبات “فقاعات الصابون”، فالمؤمن لا يلدغ من جحره مرتين  (أو أكثر) والله أعلم.

Leave a comment