منذ أن شرعت بريطانيا في العمل على استبدال الفحم بالبترول في أساطيلها البحرية العسكرية والتجارية عام (١٩١١)، أضافت إلى استراتيجياتها استراتيجية جديدة مفادها “الاستيلاء على منابع البترول“، ومن ضمنها منابع البترول في مناطق “الموصل الجغرافية“، وفي الوقت ذاته استمرت في تطبيق سياسة ” فرق تسد “، عن طريق المساعدة في إشعال فكرة التتريك عند النخبة التركية في ذلك الزمن . وفي اشعال فكرة التعريب عند النخبة العربية في ذلك الزمن .
ونمت ” الكراهية ” في كل جانب في مواجهة الأخرى، فتطورت الأمور إلى “كراهية متبادلة ” وتطورت الأمور إلى أن أصبحت هنالك مواجهات من الصعب محوها من أذهان الناس العاطفيين على جانبي النزاعات، وأضحى الطلاق بين الدولة العثمانية والدولة المستحدثة ( المناطق العراقية ) أمرًا حتميًا.
وبالتالي وإعمالا للاستراتيجيتين وغيرهما من الاستراتيجيات، أصبحت عملية فصل المناطق الجغرافية الموصلية أمرًا مقدورًا عليه. وواقعًا يأخذ حيزه في حيز الوجود. وعلى واقع الأرض أمرًا محزنًا لغير بريطانيا، وأمرًا مفرحًا لها “انتصارًا لاستراتيجياتها، وخطوات ناجحة لتحقيق مصلحها”، وكل ذلك على حساب آلام الشعوب والبلدان الأخرى.
كما تسنى لبريطانيا أيضا حرمان الدولة العثمانية من أن تكون العراق في صفها خلال الحرب العالمية الأولى، كما تسنى لبريطانيا أيضا أن تكون النخبة العربية العراقية ومن يدور في فلكها في صف بريطانيا ضد الدولة العثمانية.
إعمالًا لاستراتيجية “المسلم ضد المسلم ” لمصلحة الأوروبي عن طريق اختلاق أمور وهمية في أذهان العرب لتصديقهم بأن بريطانيا كانت راغبة في “اعادة أمجاد العرب للعرب” ولنا في تفاصيل ذلك مقالات مستقبلية.
– ونكتفي بالقول : بأن العرب في المناطق العربية قاطبة، لم ينعموا بما وعدوا به حتى يومنا هذا. بل إن سياسة العمل على “تقسيم المقسم وتجزئة المجزء” هي سياسة الغرب حتى يومنا هذا،
وفي التصور بأنها (للأسف) ستستمر، والأشد إيلامًا أن هنالك من يعتقد (لأمر أو لآخر) بأن سياسة “بث الكراهية” والارتقاء بها الى مصاف “الكراهية المتبادلة” أمرًا يصب في مصلحة هذا البعض.
تسليط الأضواء على مسألة الموصل
قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨)، قامت كل من بريطانيا وفرنسا وآخرين، على عقد اتفاقيات شفوية وكتابية بعضها لم ينشر في حينه، وأن أصبح معلومًا في يومنا هذا، تدور حول توزيع “غنائم الحرب” (البلاد العربية المستحدثة في ذلك الوقت)، ما بين بريطانيا وفرنسا، ووقعت الدول العربية المستحدثة في ذلك الزمن، ومنذ ذلك الزمن تحت نير “الاستعمار” ( المعلن أو المبطن) حتى يومنا هذا، وأضيفت إلى وسائل القهر “وسائل القهر الاقتصادي” (المعلن أو المبطن) ووسائل فرضه ورفعه (مرحليًا)، ليطل برأسه من جديد، لتصبح آليات استعماله جديدة و متجددة.
مسألة بترول الموصل
وبمجرد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، عمدت بريطانيا ومعها فرنسا إلى رسم خرائط “الدول المستحدثة” في المناطق الجغرافية التي تم سلخها عن الدولة العثمانية، ومن ضمنها خارطة “دولة العراق المستحدثة“ في ذلك الوقت.
وتأرجح مكان وضع ” مناطق الموصل ” جغرافيًا: هل هي من المناطق الجغرافية (لدوله العراق المستحدثة)، أم تابعة لجهات دول مستحدثة أخرى؟ وكانت هنالك اعتبارات سياسية، وأخرى بترولية تدور في أذهان واضعي الاستراتيجية البريطانية. ولنا في تفاصيل ذلك مقالات مستقبلية ، ونكتفي في هذا المقام بما سندونه لاحقا.
المصلحة البريطانية الكبرى وتغيرات أولوياتها ونتائجها المرحلية
رغم أن شهية بريطانيا كانت عظيمة لابتلاع “بترول الموصل“، إلا أن بعض الأوضاع السائدة أقعدتها عن ذلك، وأدت بها في تلك المراحل إلى الاصرار على أن تكون مناطق الموصل جزءًا من الخارطة السورية لتحكمها فرنسا وفق “نظام الانتداب” على سوريا، وقبلت فرنسا ذلك، ورسمت الخرائط على هذا الأساس .
وكان مرد ذلك من وجهة نظر بريطانيا، عدم رغبتها بأن تكون لها حدود مع المناطق التابعة لروسيا القيصرية، وبذلك حققت لها هذه التقسيمات وهذه الخرائط وايجاد مناطق تعزلها عن روسيا القيصرية جغرافيًا، عن طريق تبعية الموصل لسوريا المستحدثة وبالتالي لفرنسا.
تغيير الظروف وتغير تغيير الرغبات (نظرية الظروف المتغيرة)
وعندما سقطت روسيا القيصرية (على ضوء الثورة البلشفية)، وبعد أن تأكد للخبراء والجيولوجيون البريطانيون كمية المخزون البترولي في منطقة الموصل، أضحت المصلحة البريطانية تستدعي تغريد تغريدة جديدة مفادها وجوب كون “منطقة الموصل الجغرافية” ضمن اقليم دولة العراق (المستحدثة) في ذلك الزمن.
وكان لها ذلك جولات تحاورية مع فرنسا ( ذلك الزمن )، حيث دخلت فرنسا في تحاورات مع بريطانيا، استقرت في نهاية المطاف على قيام بريطانيا بقديم حل مفاده : قيام بريطانيا بمنح فرنسا ٢٠ ٪ من بترول الموصل، والاعتراف بفرنسا كدولة انتداب على الدولة السورية
(المستحدثة في ذلك الزمن)
إعمالًا لاستراتيجية “منح ما هو مملوك لآخرين لمن لا يستحق تملك ذلك” والمعروف بعبارات مختصرة مفادها منح (من لا يملك لمن لا يستحق) عبارة مطبوعة في ذهن كل فلسطيني يقرأ ما يقال حول موضوع ما يسمى “وعد بلفور“.
فبموجب هذه الاستراتيجية ، قامت بريطانيا بمنح فرنسا أمرين لا تملكهما قانونًا : الأول بترول الموصل، وثانيهما فرض انتداب على شعب آخر. وكان هذا الشعب السوري والشعوب العربية الأخرى (التي أعطيت أسماء جغرافية أخرى) قد وعدت وعدًا ( مرحليًا فارغًا من محتواه الفعلي ) مفاده انشاء دولة عربية واحدة ذات قومية عربية واحدة٠
الدروس الفلسطينية – الفلسطينية
من حصيلة التجارب التاريخية، يمكن ايجازها بالقول أن النوم على موضوع الغاز الفلسطيني قد لا يصب في مصلحة الفلسطيني، فهناك مطابخ أخرى تطبخ ما تطبخ، وهنالك ألعاب أخرى يلعب اللاعبون عليها ألعابًا، قد لا تصب في مصلحة الفلسطيني، وأن تجاهل ما قد يكون له آثار سلبية، لن يزيل امكانية قيام الآخرين بما لا يصب في مصلحة الفلسطينيين.
هذا مع العلم بأن هنالك دروس وعبر، علاوة على ما تقدم، سنتناولها في مقالات مستقبلية.
